عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 06-27-06, 12:11 AM
الصورة الرمزية ســ الليل ــاري
ســ الليل ــاري ســ الليل ــاري غير متواجد حالياً
راقي فعال
 
تاريخ التسجيل: Jul 2004
المشاركات: 261
معدل تقييم المستوى: 1
ســ الليل ــاري is on a distinguished road
الجزء الثاني
قرارات قصي العسكرية ( الطائشة ) أدت إلى هزيمة العراقيين !!


* إعداد - محمد الزواوي

في الجزء الأول من هذا التقرير الذي نُشر في الأسبوع الماضي حول الوثائق السرية لسقوط بغداد والتي كشفت عنها السلطات الأمريكية، سلّطنا الضوء على قناعات صدام بأن أمريكا لن تجرؤ على خوض حرب برية وغزو العراق، وحتى إن فعلت ذلك فإن حلفاءه الأوروبيين - فرنسا وألمانيا وروسيا - لن يسمحوا باستمرار الحرب وسوف تجبر التظاهرات الشعبية حول العالم قادة التحالف على وقف القتال، ليخرج صدام منتصراً من تلك الحرب، أما في أسوأ الظروف وهو استمرار تلك الحرب فإن أمريكا لن تجرؤ على خوض معارك برية طاحنة ولن تتحمَّل الخسائر العالية في صفوفها، كما لن تستطيع خوض قتال مدن داخل بغداد، وستخرج مهزومة وبعدد كبير من الخسائر، لذلك كان الشغل الشاغل لصدام حسين هو أمنه الداخلي وأمن النظام.

كما لم يشأ النظام أن ينفي أو يؤكِّد امتلاكه السلاح النووي، وذلك مخافة أن يشجع ذلك إسرائيل على قصفه في حالة تأكيده بعدم وجود سلاح نووي وفتح قصوره الرئاسية للتفتيش.

ثم عرجنا بعد ذلك على كواليس النظام العراقي ومناخ الخوف والرعب الذي أوجده صدام بين قادته، وكيف أدى ذلك الخوف إلى حجب قادته للمعلومات السلبية المهمة عنه مخافة العقاب، مما أدى إلى دخول الجيش العراقي في حالة من الفوضى اللا نهائية.

ونواصل في هذا الأسبوع نشر الجزء الثاني من الوثائق السرية التي نشرتها دورية (فورين أفايرز) الأمريكية.

يشير التقرير إلى أن الوزراء العراقيين قد تعلّموا من حادثة وقعت عام 1982 أن صدام يحب أن يسمع فقط ما يسعده. ففي أثناء الحرب العراقية الإيرانية طلب صدام من وزرائه نصيحة مخلصة عن الأوضاع، ودون أن يفكر قام وزير الصحة آنذاك رياض إبراهيم بنصح صدام حسين بأن يتنحى - ولو مؤقتاً - حتى يحل السلام، ثم يستأنف فترة رئاسته، وكان جواب صدام حسين هو إقالته، وفي اليوم التالي تسلَّمت زوجته جثته مقطعة إلى أجزاء. وكان عبدالتواب حواش رئيس لجنة الصناعات العسكرية وأحد أقرباء ذلك الوزير المقتول شاهداً على تلك الواقعة، وقال: (إن هذه الحادثة جعلت الوزراء ينتبهون بعد ذلك إلى كلامهم، وأصر الجميع بالطبع على أن يظل صدام حسين في الحكم بعد تلك الواقعة).

إعدامات فورية
وكانت حالات الإعدام الفورية تنتظر أي شخص يجرؤ على معارضة صدام حسين، فقد قضى عميد بالجيش عاماً في السجن فقط لقوله إن الدبابات الأمريكية ربما تكون متفوِّقة على الدبابات العراقية.

وصرح أحد الوزراء السابقين بأن (المعارضة المباشرة لصدام حسين كانت شيئاً لا يُغتفر، وكأنها بمثابة الانتحار).

ويشير التقرير إلى أن صدام حسين لم يكن وحده الذي يكره سماع الأخبار السيئة حتى لو كانت حقيقية، فقد صرح اللواء حميد إسماعيل دويش الربيعي المدير العام السابق لأركان الحرس الجمهوري أن (أي قائد يقول الحقيقة لقصي ابن صدام حسين يقطع رأسه على الفور).

وقد حكى أحد كبار الضباط السابقين قصة عن ابنه قصي قائلاً: (في نهاية عام 2000 نما إلى علم صدام أن هناك ما يقرب من 70 عربة عسكرية لا تعمل ولا تتحرك على الإطلاق، فأمر ابنه قصي بحل المشكلة، وأكَّد له مهندسو الحرس الجمهوري أنهم يستطيعون إصلاحها فقط إذا جاءت الأموال، ووافق قصي وجاءت الأموال على الفور، ثم تم إبلاغه بعد وقت قصير بانتهاء العمل، فأرسل قصي مندوباً عنه لفحص العربات التي وجدها لامعة كالجديدة تقف في طابورين كل طابور يتكون من 35 عربة. ثم طلب مندوب قصي من الطاقم تحريك السيارات إلى الناحية المقابلة للتأكد من أنها تعمل بشكل سليم.

وكانت المفاجأة أنه لم تتحرك ولا عربة واحدة من تلك السيارات السبعين، وعندما أخبر قصي بذلك الأمر قرر ألا يتم إخبار صدام، وذلك لأن قصي كان قد أبلغ صدام بالفعل أن العربات أصبحت تعمل، ولم يأمر قصي أيضاً المهندسين بإصلاح السيارات، فقد كان حريصاً فقط على إخفاء فشله من أبيه).

وبعد انتهاء الحرب، أكَّد العديد من القادة العسكريين وجود عوامل أربعة أثرت تأثيراً كبيراً في الجاهزية العسكرية للجيش، وهي: الإرشادات غير ذات الصلة التي تمرر من القيادة السياسية إلى المستويات الدنيا من العمليات العسكرية؛ تشكيل ميليشيات (شعبية)؛ تصرفات أقارب صدام والمتملقين له الذين تم رفعهم إلى أعلى رتب في الأمن القومي العراقي، والآثار التي نتجت عن سيطرة الجهاز الأمني على كل شيء وما نتج عنه من تحديد لسلطات الجيش.

أخطر قرارات صدام
ويحكي أحد الأصدقاء المقرّبين من صدام كيف يتخذ الرئيس العراقي أخطر قراراته أثناء الليل، عندما يظل مستيقظاً يفكر في مشكلاته قبل أن يأتيه الإلهام في أحلامه، والتي تصبح إجبارية في اليوم التالي ويتم إملاؤها على القادة، الذي يمتدحون بالطبع هذا (الحدس) العظيم، ومن يناقش هذا الإلهام فإن حياته تصبح مهدَّدة.

وتشير الوثائق إلى أن صدام اتخذ أخطر قراراته أثناء عزلته، مثل قرار غزو إيران الذي اتخذه عندما كان في منتجع يقضي فيه إجازته، دون استشارة أحد من مستشاريه، كما اتخذ قرار غزو الكويت بعد مناقشة دارت بينه وبين زوج ابنته، انتهى فيها إلى ضرورة غزو الكويت.

وفي عام 1990 صرح صدام قائلاً: (أمريكا دولة معقدة وفهمها يحتاج إلى يقظة رجل سياسي يعمل خارج مجتمع الاستخبارات، وقد منعت أجهزة الاستخبارات من اتخاذ أية استنتاجات عن أمريكا من خلال الصحافة والتحليلات السياسية وقلت لهم إن ذلك ليس من تخصصهم، لأن الاستخبارات عندما تفشل في الوصول إلى حقائق تبدأ في التخمين من الصحف، لذا قلت لهم إني لا أريد معلومات استخباراتية سواء من الاستخبارات العراقية أو من الاستخبارات العامة العسكرية ولا أريد منهم أية تحليلات، فهذا هو تخصصي، وقد اتفقنا على الاستمرار على هذا الأساس، وهذا هو ما استخدمته مع الإيرانيين، بعضها ناتج عن الاستنتاجات وبعضها جاء عن طريق الابتكار وإيصال النقاط ببعضها البعض، وكلها بدون وجود أية دلائل ملموسة).

عبقرية صدام العسكرية!
وبعد عام 1991 تضاءلت ثقة صدام في قادته العسكريين وقويت ثقته في قدراته كعبقري عسكري، وبدأ في إصدار سلسلة طويلة من التعليمات العسكرية التي لا قيمة لها من المنظور العسكري العلمي، وقام بإعطاء إرشادات تدريبية مفصلة لجنوده من إلهامه الخاص.
وقد صدرت وثيقة عام 2002 بعنوان (إرشادات تدريبية للحرس الجمهوري)، أمر فيها جنوده بالآتي: (تدربوا بطريقة تسمح لكم بهزيمة عدوكم، دربوا كافة أعضاء الوحدات على السباحة، ودربوا جنودكم على تسلق النخيل لكي يستخدموا قممها للاستطلاع والقنص، وتدربوا على الأسلحة الذكية)، لذا ركَّز الجنود على تلك الإرشادات الفرعية التي بلا قيمة من الناحية العسكرية وأهملوا الخطط الإستراتيجية الكبرى، فقط لأنها أتت من صدام حسين.

وفي أعقاب حرب الخليج أثنى صدام على الحرس الجمهوري لأنه (تفادى الإبادة) وتحاشى الضربات الجوية الأمريكية، مما أوهم جنوده أنهم أبلوا بلاء حسناً في معركة (عاصفة الصحراء)، وأدى ذلك المديح المتواصل من صدام حسين لتلك التكتيكات إلى ترسيخ فكرة حفر الخنادق العميقة ومحاولات إخفاء الجيش العراقي، وأصبحت من العقائد القتالية للجيش، لأن صدام أثنى عليها.

وفي هذا الوقت كان الخبراء العسكريون الإستراتيجيون العراقيون يعلمون مدى تفاهة تلك التصريحات، ولكنهم أيضاً كانوا يعلمون ثمن المعارضة العلنية لصدام حسين.

بعد ثورات الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب عام 1991م ركَّز صدام حسين على التهديدات الداخلية بصورة كبيرة، واتخذ عدة احتياطات لمنع وقوع عصيان مدني، ومن بينها إنشاء ميليشيات خاصة غير نظامية، مثل فدائيي صدام وجيش القدس وميليشيات حزب البعث، ومن المثير للسخرية أن هذه القوات أدت إلى إفشال الجيش العراقي وسحبت الذخيرة والسلاح منه بلا فائدة، وبسبب المميزات التي كان يحصل عليها المتطوعون في هذه الميليشيات نضب التطوع في الجيش العراقي أملاً في الفوز بالمميزات المادية نتيجة الانضمام لتلك الميليشيات التي سرعان ما انهزمت أمام الجيش الأمريكي في بداية الحرب بسبب عدم خبرتها القتالية وعدم استعدادها لذلك النوع من الحروب.

وتشير الوثائق إلى أن الهدف الأساسي من إنشاء تلك الميليشيات هو الدفاع عن العراق ضد (الأعداء من الداخل) وليس صد هجوم على العراق.

وقد وصف وزير الدفاع العراقي جيش القدس بعد انتهاء الحرب بأنه (كان بمثابة الكابوس على الجيش العراقي، فلم يكن لديهم معدات لخوض حرب حقيقية وكانوا يأخذون سلاحهم الخفيف من الجيش ولم يكونوا تحت تصرف الجيش وكانت تأتي تعليماتهم من مكتب الرئيس وليس من القادة العسكريين).

وعلى الرغم من عدم كفاءتهم القتالية إلا أن التقارير الكاذبة ظلت تنهمر على سكرتارية صدام بأن (جيش القدس قاتل مثل الأسود ودمروا الأمريكان وواجهوهم في محافظة المثنى وأوقعوا خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وتم تدمير سبع عربات أمريكية مدرعة).

في حين لم يحدث شيء من ذلك، والحقيقة هي أن جيش القدس تلاشى في الهواء بمجرد دخول الدبابات الأمريكية، وذلك لأنهم كانوا يحملون أسلحة خفيفة لا تسمن ولا تغني من جوع.

وقد تم إنشاء قوات فدائيي صدام في أكتوبر 1994 بعد ثورات الأكراد والشيعة، وذلك لأن تلك الثورات أثبتت أن قادة البعث المحليين فشلوا في وقف تلك الثورات ولم يمتلكوا القوة والعزيمة لذلك، وتأكد صدام من أن تلك القبائل العراقية في الشمال والجنوب تمثِّل تهديداً كبيراً أمام سيطرة صدام على بغداد، لذا أنشأ صدام تلك القوة لتأمين النظام.

وأشارت الوثائق التي وقعت في يد قوات الاحتلال الأمريكي إلى أن فدائيي صدام قاموا بعدة عمليات (إبادة ضد المخربين في المثنى وكمائن وقبض على لصوص سيارات في الأنبار ومراقبة مدنيين شيعة في المناطق المقدسة مثل كربلاء، وتجهيز خطة لقصف مقر توزيع مساعدات إنسانية على مشارف إربيل) والتي كان يشتبه في أنها خلية استخبارات غربية، كما قام فدائيو صدام بالتخطيط لشن عمليات في أوروبا والشرق الأوسط.

وفي وثيقة بتاريخ 9 مايو 1999 أمر عدي صدام حسين بتجهيز (وحدة عمليات خاصة لشن تفجيرات واغتيالات للمراكز ولرموز الخونة في لندن وإيران ومنطقة كردستان)، والتجهيز لعملية (يوليو المباركة) التي كانت عبارة عن عمليات استشهادية ضد أهداف في الغرب وكانت تحت التجهيز قبيل غزو العراق.

وتشير التقارير إلى أن الفساد ضرب بأطنابه حتى في تلك الميليشيات، وأكدت تقارير ظهرت عام 2001 أنهم كانوا يهربون السلاح إلى خارج العراق وبيعه نظير أموال، وإنشاء نقاط وكمائن لسرقة المسافرين عبر الحدود. وقد كان عقاب تلك الميليشيات قاسياً وكان يتراوح ما بين الجلد وقطع الأيدي والألسنة والرجم.

وكسائر أفرع الحكومة العراقية أصدرت سكرتارية فدائيي صدام قائمة عام 1998 بالعقوبات ضد المخالفين من تلك الميليشيات، وكانت تقول: (سيتم إعدام أي قائد فرقة إذا ما تعرضت فرقته للهزيمة، وأي قائد فصيلة سوف يتم إعدامه إذا ما تعرضت فرقتان من فصيلته للهزيمة، وأي قائد مجموعة سوف يتم إعدامه إذا ما تعرضت فصيلتان له للهزيمة، أي قائد فوج سوف يتم إعدامه إذا ما تعرضت فرقتان له للهزيمة، وأي قائد منطقة سوف يتم إعدامه إذا ما تعرضت محافظته للهزيمة، وأي مقاتل من مقاتلي فدائيي صدام بمن فيهم القادة سيتم إعدامهم إذا ما تلكؤوا في تأدية مهامهم، أو التعاون مع الأعداء أو تركوا سلاحه أو أخفوا معلومات تتعلَّق بأمن البلاد)

لذلك كان فدائيو صدام من أشرس المقاتلين أثناء الغزو الأمريكي خوفاً من الإعدام وكانوا يلقون بأنفسهم في طريق المدرعات الأمريكية في السماوة والنجف وكربلاء، كما حاولوا منع الاحتلال الأمريكي من دخول بغداد بعد أن هرب معظم جنود الحرس الجمهوري.

أما صدام فلم يكن يثق سوى بشخص واحد فقط: نفسه؛ لذا جنح إلى تركيز المزيد من السلطات في يده، وعندما كان يضطر إلى تفويض السلطات كان يختار غير المتعلمين والجبناء وغير الطموحين لأنهم لم يمثِّلوا خطراً أثناء قيادتهم للمراكز المهمة، فقد كان دائماً يخشى من انقلاب داخلي، ولم يعط أية مسؤوليات عسكرية أو قيادية سوى لعائلته أو أبناء قبيلته الموثوق فيهم.

قلعة الحرس الجمهوري
وبينما كان المحلِّلون الغربيون يعتقد أن الحرس الجمهوري هو أقوى قلعة للنظام، فإن صدام كان يخشى منهم ويعتقد أنهم كانوا ينوون الإطاحة به، لذا في عام 2001 وضع صدام ابنيه على رأس الحرس الجمهوري وقوات النخبة العراقية، على الرغم من أن خبرات قصي العسكرية كانت قاصرة على مناوشات أثناء الحرب العراقية الإيرانية عام 1984، وكان يقول عنه وزير الدفاع إنه (لم يفهم في العلوم العسكرية شيئاً زيادة عن المدنيين الآخرين، فقد كنا نمده بالمعلومات والنصائح العسكرية التي كان يتجاهلها بصورة مستمرة).

وكان قصي صاحب الكلمة الأخيرة في القرارات العسكرية المهمة إذا لم يتدخل صدام بنفسه، وكان قصي يحدد أهم المناطق الحيوية للدفاع عنها وكان مسؤولاً عن تغيير طبيعة قتال القوات العراقية، وطالما كان يشكك القادة في قراراته، ولكن لم يستطع أحد البوح بذلك علناً، وكان معظم مستشاري قصي في دائرته الداخلية من غير المؤهلين وكانوا فقط لحمايته، أما القادة المؤهلون فكانوا يؤثرون الصمت.

وتم تنصيب اللواء برزان عبد الغفور سليمان المجيد قائداً لقوات النخبة بالحرس الجمهوري، والتي من المفترض أن تكون أفضل القوات القتالية على الإطلاق، لكن زملاء برزان كانوا يسخرون من قدراته، ويقولون إنه كان يتمتع بميزات ثلاث لتولي هذا المنصب: (أنه كان ابن عم صدام، ولم يكن ذكياً بصورة تمثّل تهديداً على النظام، وكان أجبن من يقود انقلاب أو حتى يشارك فيه ضد صدام حسين).

وقد صرح برزان نفسه في مقابلة أجريت معه بعد الحرب وقال فيها إنه كان مستاءً من فكرة تولي قوات النخبة واعتبرها أخطر وظيفة شغلها في حياته، وقضى هذا الجنرال - الذي كان مسؤولاً عن أفضل القوات القتالية - معظم أوقات الحرب مختبئاً.

وبنهاية عام 2002 تدخل صدام ثانية في الشؤون العسكرية ووضع مفهومه العملياتي للدفاعات العراقية، هذا المفهوم الذي أدى في النهاية إلى الإسراع بالقضاء على القوات المسلحة العراقية.

ففي 18 ديسمبر جمع رئيس أركان الحرس الجمهوري قواده وأخبرهم بالخطة الجديدة، والتي كانت مبتكرة وشجاعة، ولكنها لم تكن قابلة للتطبيق على الإطلاق. ففي مقابلة أجريت بعد الحرب، صرح قائد الفيلق الثاني بقوات الحرس الجمهوري كيف تم الإعلان عن خطته الجديدة: (لقد استدعى رئيس أركان الحرس الجمهوري كافة قواده للالتقاء في مركز قيادة الحرس الجمهوري

وعندما سألت: لماذا ؟ أخبروني أنهم لديهم خطة جديدة للدفاع عن بغداد، وقلت لنفسي إننا من المفروض أن ندافع عن كل العراق وليس بغداد فقط، وعندما وصلنا هناك وجدنا قصي صدام حسين حاضراً.

وأطلعنا رئيس أركان الحرس الجمهوري على خريطة حائطية كبيرة تغطي الجزء المركزي من العراق، وقد أظهرت الخريطة بغداد في المنتصف مع أربع دوائر، كل دائرة كانت ملونة بلون مختلف، والحلقة الوسطى كانت حمراء، وعلى بعد 10 كيلومترات تقريباً منها كانت هناك دائرة زرقاء، ثم بعد ذلك بعد حوالي 7 كيلومترات كانت هناك دائرة سوداء، وفي النهاية كانت الدائرة الأخيرة صفراء، والتي كانت تمثِّل قوات الاستطلاع فقط.

وأوضح رئيس أركان الحرس الجمهوري الخطة بطريقة ساذجة وسيئة للغاية، مثل: إن فرقة حمورابي التابعة للحرس الجمهوري ستدافع عن شمال المدينة، وفرقة المدينة في الجنوب، وفرقة النداء في الشرق، والقوات الخاصة وقوات النخبة بالحرس الجمهوري في الغرب.

وعندما يصل الأمريكان إلى الحلقة الأولى وبناء على أوامر من صدام يجب أن تنسحب القوات تزامناً مع دخولهم، ثم بعد ذلك تقوم كل الوحدات بهذا الإجراء حتى تصل إلى الدائرة الحمراء، وعندها يجب أن تقاتل كل القوات حتى الموت. بهذه البساطة تم إخبار ضباط الحرس الجمهوري المجتمعين بأن هذه هي خطة الدفاع.

وقال قصي إن الخطة تم اعتمادها بالفعل من صدام والآن جاء دوركم لتنفيذها وأشرت باعتراضي وقلت لقصي إن جيشاً عريقاً له تاريخ 82 سنة من القتال لا يستطيع القتال بتلك الطريقة، فنحن لا نستخدم خبرتنا بذلك، ولكن قصي أخبرني أنه لن تكون هناك تغييرات لأن صدام قد وقَّع على الخطة بالفعل.

ومقارنة بالخطط الدفاعية السابقة التي جهزها الخبراء العسكريون المحترفون، كانت هذه الخطة بدائية، فلم تهتم بالعوامل العسكرية الأساسية مثل الجغرافيا وكيفية انسحاب كافة القوات في وقت واحد من حلقة إلى الأخرى في أثناء اشتباكها مع القوات الغازية براً وجواً.

وحتى بعد أن أخبر قصي ورئيس أركان الحرس الجمهوري الضباط رؤيتهم للدفاع عن بغداد فإن كبار قادة الجيش لم يفعلوا شيئاً للترتيب لهذه الخطة أو تطبيقها، أما صدام فكان مجرد إصداره للقرار كافياً بأن تكون تلك الخطة قابلة للتطبيق).

ثقافة الخوف
وقد أكد كافة الضباط العراقيين الذين أجريت معهم حوارات بعد انتهاء العمليات على تفشي ثقافة الخوف بين القادة بسبب انتشار جواسيس صدام وفرق استخباراته بينهم والتجسس على اتصالاتهم المنزلية والمكتبية، وكان هناك جواسيس من أفرع الأمن الخاص والاستخبارات العامة والعسكرية والخاصة للحرس الجمهوري، مما كان له تأثير مباشر ليس فقط على قدرة القادة على قيادة وحداتهم، ولكن أيضاً على قدرة الوحدات للاستفادة من معلوماتهم على الأرض لتجهيز الدفاعات المناسبة، وكان يجب على قادة الأفرع أن يأخذوا تصريحات من القيادة العليا قبل تحريك أي قوات لهم، وظل هذا الوضع مستمراً حتى 2 و3 أبريل عندما كانت قوات التحالف على مشارف بغداد.

وكان الاستثناء الوحيد هو لفرقة (النداء) المدرعة والتي كانت تتمتع بحرية غير عادية، وكانت مكلَّفة بالدفاع عن الجزء الشرقي من بغداد في حالة شن أي هجوم من إيران، وكان تعتبر أقوى فرقة عراقية على الإطلاق.

وكان هناك فائدة من إشاعة هذا الجو من جهاز الاستخبارات، وهو إيجاد مناخ ضبابي يحيط بكافة القادة لكيلا يفكروا في أي انقلاب أو خيانة، وكانت النتيجة المباشرة لذلك الضباب هو انعدام التنسيق والاتصالات ما بين أفرع الجيش في أرض المعركة، وكان الأمن الداخلي مقدَّماً على كل شيء.

وظل الجيش في الأيام الأولى للحرب وحتى السادس من أبريل يبث أخباراً كاذبة للجنود بتقدم القوات العراقية واستبسالها، وذلك للحفاظ على الروح المعنوية للجنود، وذلك طبقاً ليوميات وزارة الدفاع العراقية، في الوقت الذي كانت تنهار فيه الخطوط الأمامية للجيش العراقي.

وفي الأيام الأخيرة أعطى صدام أوامره لنشر تشكيلات وفرق مناورة لم يكن يعلم أنها أبيدت كلها، وكان تركيزه منصباً على خطط دخول الحرس الجمهوري إلى بغداد والانضمام إلى فدائيي صدام (للتجهيز) لحرب مدن.

وفي الوقت الذي كان صدام يتحدث إلى قادة جيشه كانت فرقة أمريكية مدرعة قد استولت بالفعل على مطار بغداد، وعندما كان يناقش خطته لمعركة الدفاع الأخيرة عن المدينة كان لواء أمريكي مدرع آخر قد دخل بغداد بالفعل واستقر على عشب الفناء الأمامي لقصره الرئاسي.
رد مع اقتباس